التقاضي السياسي ومحاربة الفساد
ملاحقات الفساد القضائية ضد القادة الحاليين والسابقين تُقدَّم في آنٍ واحد باعتبارها محاسبةً وتُستنكر باعتبارها اضطهاداً سياسياً، وهي آلية ذات استخدام مزدوج تُعيد تشكيل الحكومات في خمس قارات.
أضف إلى قائمة
لا قوائم بعد.
ما هو
التقاضي السياسي في مجال مكافحة الفساد هو مصطلح يصف الوظيفة المزدوجة لملاحقات الفساد في السياسة المعاصرة: فالأجهزة ذاتها والمدعون العامون والإجراءات القضائية تعمل في آنٍ واحد كآليات مشروعة للمحاسبة وكأسلحة سياسية. قد يُجنّد المسؤول الحاكم المدعين العامين لتحييد المنافسين، فيما يصف المستهدفون كل لائحة اتهام بأنها «لافير» أي توظيف الآليات القانونية لشن حرب سياسية. لا يمكن الثقة بأيٍّ من التوصيفَين منفرداً؛ فالتهم قد تكون صحيحة وملائمة سياسياً في آنٍ واحد. أبرز الجهات المنفِّذة هي هيئات مكافحة الفساد المتخصصة، ومنها لجنة التفتيش المركزية للانضباط في الصين، ومديرية الإنفاذ في الهند، والمحقق العام في الفلبين، وهيئة النزاهة في العراق، إلى جانب المدعين العامين الوطنيين ووحدات الاستخبارات المالية الدولية والصحفيين الاستقصائيين. تتوقف مصداقية كل ملاحقة قضائية بشكل رئيسي على مدى استقلالية الجهة المُبادِرة فعلياً عن الحكومة التي تخضعها للتحقيق.
التاريخ
تبلورت بنية مكافحة الفساد الحديثة في تسعينيات القرن الماضي ومطلع الألفية الثالثة. أثبتت تحقيقات «أيدي نظيفة» الإيطالية، التي انطلقت عام 1992، أن ملاحقات الفساد المنهجية قادرة على تحطيم الطبقة الحاكمة برمّتها، إذ أفضت إلى سقوط خمسة أحزاب رئيسية. أرسى قانون الممارسات الفاسدة الأجنبية الأمريكي (FCPA) الصادر عام 1977 الإنفاذ القانوني خارج الحدود في جرائم الرشوة، وأثّر في قانون الرشوة البريطاني عام 2010 وقانون سابان الثاني الفرنسي عام 2016. اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد في 31 أكتوبر 2003، ودخلت حيّز التنفيذ في 14 ديسمبر 2005 وتضم الآن 190 دولة طرفاً، لتكون الصك العالمي الملزِم الوحيد لمكافحة الفساد. أبرز ما أضافته آلية مراجعة أقران إلزامية وفصل لاسترداد الأصول يُلزِم الدول بإعادة الأموال المنهوبة. شهدت العقد الثاني من الألفية موجة من استيلاء الحكومات على الأجهزة القضائية، إذ سعت المجر وتركيا وبولندا والفلبين كل منها إلى ثني المؤسسات الاستدعائية نحو أغراض سياسية.
الوضع الراهن
في منتصف 2026، النمط نشيط على كل قارات العالم المأهولة. في إسرائيل، أتمّ بنيامين نتنياهو 98 جلسة إدلاء بشهادته في يونيو 2026 في ثلاث قضايا، وصف الإجراءات بأنها عملية «ستازي»، وليس من المتوقع صدور حكم قبل 2027. في إسبانيا، أصدرت المحكمة العليا حكماً بإدانة وزير النقل السابق خوسيه لويس أبالوس بالسجن 24 عاماً في قضية رشوة أقنعة الجائحة؛ وفي الوقت ذاته، واجهت زوجة رئيس الوزراء محاكمة أمام هيئة المحلفين، وتورّط منظّم حزبي سابق سانتوس سيردان في تحقيق ثالث. مَثَل رئيس الوزراء بيدرو سانشيز أمام البرلمان الإسباني لخمس ساعات ونصف مُصنِّفاً الملاحقات المتراكمة باعتبارها لافير منسَّقاً. في العراق، اعتقل كناس فجري في يونيو 2026 داخل المنطقة الخضراء في بغداد 47 مسؤولاً، من بينهم نائب وزير النفط و13 نائباً برلمانياً. في الصين، خضع بيان جيغانغ للتحقيق من لجنة التفتيش المركزية للانضباط في يونيو 2026، في إطار حملة على قطاع الدفاع طالت العشرات من المسؤولين الكبار منذ 2024. في الفلبين، حشدت كنيسة «إيغليسيا ني كريستو» آلاف المؤيدين في شارع إيدسا في يونيو 2026 بعد توجيه المحقق العام اتهامات بالنهب غير قابلة للكفالة ضد عضو مجلس شيوخ موالٍ للتكتل. يُسجّل مؤشر مدركات الفساد لمنظمة الشفافية الدولية 2025 متوسطاً عالمياً متدنياً قياسياً عند 42، مع تدني أكثر من ثلثَي دول المؤشر البالغ عددها 182 دولة دون 50.
العلاقات
يتداخل هذا الملف مع ملف المحاكم في مقابل السلطة المنتخبة: حيث تكون المحاكم مستقلة تُشكّل الساحة؛ وحيث يجري الاستيلاء عليها تصبح أداةً. يمكن للإنفاذ الدولي، ولا سيما قانون FCPA الأمريكي وفريق الملاحقة المشترك الذي أُنشئ بين المملكة المتحدة وسويسرا وفرنسا في مارس 2025، أن يتجاوز الحماية السياسية الوطنية للمتهمين الذين تمتد أصولهم أو معاملاتهم عبر الحدود. الصحافة الاستقصائية، التي تقودها منظمات مثل OCCRP وشبكة شركائها، كثيراً ما تُنتج مسار الوثائق الذي يُفضي إلى بدء الإجراءات الرسمية. قانون استرداد الأصول يربط هذا الملف بقضايا تدفق الأموال، فيما تربط ملاحقات الرشوة عابرة الحدود بملفَي الاقتصاد الموازي وقواعد التجارة.
ما الذي ينبغي مراقبته
- ما إذا كان حكم نتنياهو الإسرائيلي، المتوقَّع في موعد لا يسبق 2027، سيصدر قبل انتخابات وطنية أم بعدها، وما إذا كان تشريع الائتلاف الرامي إلى إلغاء جريمة خيانة الأمانة سيُمرَّر في الأثناء.
- ما إذا كانت التحقيقات الإسبانية المتراكمة، من حكم أبالوس إلى محاكمة غوميز إلى احتجاز سيردان، ستُفتّت الائتلاف الأقلي لسانشيز قبل صدور أي حكم.
- أول قضية منسَّقة يُطلقها فريق الملاحقة المشترك البريطاني السويسري الفرنسي الذي أُنشئ في مارس 2025.
- ما إذا كانت حملات لجنة التفتيش الصينية في قطاعَي الدفاع والمشتريات الفضائية ستُفضي إلى مزيد من الإقالات فوق مستوى نائب الوزير، مما يُشير إلى إعادة ضبط سياسية يديرها شي بدلاً من كونها ضبطاً روتينياً للانضباط.
- ما إذا كانت ملاحقات المحقق العام في الفلبين ضد الشخصيات الموالية لـ«إيغليسيا ني كريستو» ستبلغ مرحلة الإدانة أم ستتعثّر تحت الضغط السياسي لإدارة ماركوس.